مرتضى الزبيدي
218
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
ينطلق عند الغني بما لا ينطلق به عند الفقير ، وكذلك يحضر من الخشوع عنده ما لا يحضره عند الفقير . ومكائد النفس وخفاياها في هذا الفن لا تنحصر ولا ينجيك منها إلا أن تخرج ما سوى اللّه من قلبك ، وتتجرد بالشفقة على نفسك بقية عمرك ولا ترضى لها بالنار بسبب شهوات منغصة في أيام متقاربة ، وتكون في الدنيا كملك من ملوك الدنيا قد أمكنته الشهوات وساعدته اللذات ، ولكن في بدنه سقم وهو يخاف الهلاك على نفسه في كل ساعة لو اتسع في الشهوات ، وعلم أنه لو احتمى وجاهد شهوته عاش ودام ملكه ، فلما عرف ذلك جالس الأطباء وحارف الصيادلة وعوّد نفسه شرب الأدوية المرة وصبر على بشاعتها وهجر جميع اللذات وصبر على مفارقتها ، فبدنه كل يوم يزداد نحولا لقلة أكله ولكن سقمه يزداد كل يوم نقصانا لشدة احتمائه ، فمهما نازعته نفسه إلى شهوة تفكر في توالي الأوجاع والآلام عليه وأدى ذلك إلى الموت المفرق بينه وبين مملكته الموجب لشماتة الأعداء به ، ومهما إشتدّ عليه شرب دواء تفكر فيما يستفيده منه من الشفاء الذي هو سبب التمتع بملكه ونعيمه في عيش هنيء وبدن صحيح وقلب رخي وأمر نافذ ،